القرطبي
324
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عباس في قوله : " ويسألونك عن الروح " يقول : الروح ملك . وبإسناده عن معاوية بن صالح حدثني أبو هران ( بكسر الهاء ) يزيد بن سمرة عمن حدثه عن علي بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى : " ويسئلونك عن الروح " فال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه . . . الحديث بلفظه ومعناه . وروى عطاء عن ابن عباس قال : الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه ، يسبح الله إلى يوم القيامة ، ذكره النحاس . وعنه : جند من جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام ، ذكره الغزنوي . وقال الخطابي : وقال بعضهم ، هو ملك من الملائكة بصفة وضعوها من عظم الخلقة . وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد . وقال أهل النظر منهم : إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الانسان ، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به ، وهذا شئ لا يعلمه إلا الله عز وجل . وقال أبو صالح : الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم ، لهم أيد وأرجل . والصحيح الابهام لقوله : " قل الروح من أمر ربى " دليل على ( 1 ) خلق الروح أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى ، مبهما له وتاركا تفصيله ، ليعرف الانسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها . وإذا كان الانسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى . وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز . قوله تعالى : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) اختلف فيمن خوطب بذلك ، فقالت فرقة : السائلون فقط . وقال قوم : المراد اليهود بجملتهم . وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود " وما أوتوا " ورواها عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقالت فرقة : المراد العالم كله . وهو الصحيح ، وعليه قراءة الجمهور " وما أوتيتم " . وقد قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا ؟ فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله فغلبوا . وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث : " كلا " يعنى أن المراد ب " ما أوتيتم " جميع
--> ( 1 ) أي هو المنفرد بخلق الروح والعالم بسره لا يدركه أحد من الناس .